Month: April 2016

الربّة المانحة .. ست البيت

تخجل السيدة التي توصف بأنها ربة منزل او ست بيت من هذا الوصف في عالم الموظفات والمناصب الكبيرة، ولا تتجرأ أن تقارن نفسها باللواتي يعملن في الشركات الكبيرة او حتي الصغيرة، وذلك لأن العصر الذي نعيشه يتصف بالمنافسات الحادة والشرسة فيما بين الشابات و السيدات وبسباقات لا ترحم في سبيل السعي الشغوف لأرضاء الذات والمجتمع واثبات ان فلانه ادركت ما لم تدركه الاخريات، وفي خضم هذا التيار يُسقط البعض قيمة ست البيت وكأنها شئ ليس ذو فائدة او علي أقل تقدير فعل لا طموح فيه، ولكن من الذي قال ان ست البيت أقل شأنا من الاعمال الأخري و من الذي أقنع بعض فئات المجتمع بأن ست البيت لا تقوم  بمهمة عظيمة لا تقل عن أي مديرة لأكبر مؤسسة بل واعظم! من الذي صدر هذه الفكرة وخلق منها معيارا لقياس النجاح والفشل وهذا معيار غير عادل وغير منطقي

إن إختيار المرأة الحر لرعاية بيتها و اسرتها و تفضيلها لهذه المهمة لهو شئ نبيل، لا يقلل من شأنه الا شخص غير قادر علي فعل تلك المهمات التي تبني المجتمع حقا او شخص يعاني من قصور في الرؤية، فبيت الشعر المشهور لأحمد شوقي الذي يقول فيه “الام مدرسة إذا اعددتها – اعددت شعبا طيب الاعراق” هو ليس مجرد شعر عذب فهي حقيقة، فلا يمكن ان نقلل من شأن سيدة قررت بكل اختيارها و امكانياتها ان تبني اسرة  صحيحة و بالتالي مجتمع افضل فناتي بكل لا مبالاة ونصفها بالفشل او عدم الانتاج او قلة الطموح، فأي انتاج اهم من هذا ونحن نعيش في مجتمعات ملوثة بثقافة البدو الرجعية التي لا تنتمي للعصر ولا للانسانية بأي حال من الاحوال، لذلك فنحن في امس الحاجة لأجيال تفهم و تعي، تلك الاجيال تحتاج لست بيت ممتازة و متحضرة وشغوفة بضخ دماء الحياة في شريان المستقبل

للاسف نري جميعا النظرة العامة الظالمة في معظمها لست البيت، و إن اول من يمارس الظلم احيانا هو الزوج بمعايرته لزوجته التي لا تعمل كموظفة ولا تجاري العصر و لا يتردد في التقليل من شأنها بمقارنتها بقريباته العاملات و ربما زميلاته في العمل، ايحاءا منه انهن افضل منها وانها كسولة لا تفعل شئ، من الذي قال هذا و من الذي اصدر حكم بان ادارة المنزل عمل سهل و عمل خاص بالكسالي! وهذا هو الخلل، التقليل من قيمة الاشياء النبيلة و الحقيقية بدلا عن دعمها وتقديرها كما ينبغي

إن الذين يصفون ربة المنزل بالرجعية وعدم مجاراة العصر والانغلاق وقلة المعرفة بالحياة وتجاربها لا يعي ان السيدة التي تبني نواة المجتمع تستطيع ان تثبت عكس ذلك بثقافتها و وعيها ومعرفتها بكل ما حولها، وذلك مهم لأنها لو كانت ام فهي بالضرورة يجب ان تعي حجم المهمة فتتسلح بالوعي والحكمة والرحمة والمحبة والثقافة، هكذا ستثبت ان ثمرة انتاجها اعظم من كل المراتب والمناصب

ولكن المرأة التي تصنع لنفسها دور هامشي وتصغر من حجم امكانياتها و وعيها هي التي يجب ان تستيقظ لتري الامر بشكل مختلف، فمسؤليات المنزل والحياة لا تمنعك من تطوير وعيك واسلوب تفكيرك والقراءة ومحاولة فهم الحياة وتعقيداتها، فإن الرضي بدور مسؤلة شؤون المنزل فقط لا يليق بالسيدة التي تري وتفهم دورها الحقيقي في المجتمع، فمهمة نقل الوعي عبرك لأناس آخرين لا تقل عن مهمة المفكر الذي ينير حياة وعقول من حوله ومن بعده، و لو تمعنا لفظ “ربة” لعرفنا قيمة هذه المكانة فالربة قديما هي الالهة الانثي المقدسة، الربة هي عشتار المانحة ، افروديت الجمال، ، اينانا الخصوبة، ايزيس المحبة والوفاء، الربة هي الالهة و الالهة دائما ما توصف بالمحبة والحكمة والجمال والعطاء.. وهذه انبل الصفات التي تمتلكها وتعطيها الربة الزوجة الرفيقة المانحة، وهذه المكانة الرفيعة لا تكون الا بسيدة تمتلك الادراك بمعني الكلمة والقيمة والمكانة السامية و تقدر حجم مهمتها ولا تقلل من شأنها وتضعها في سياق المهمات عديمة الفائدة وقليلة الحيلة، و عندما ترين الامر بهذا الشكل فهذا ما سيراه ويدركه غيرك فأنتِ مرايا ما حولك ومن حولك

هذه الترنيمة البابلية القديمة تعود للقرن ال 17 ق.م .. لها معني عميق وجميل

تقول الترنيمة

إلي ربة الاشياء كلها

سيدة السماء والارض

عشتار .. المالكة .. المانحة

التي سارت في العماء المخيف

فأوجدت الاشياء بالمحبة

فهذه هي مكانتك الرفيعة وهذه هي المهمة النبيلة التي تحملينها علي عاتقك والمهمات النبيلة دائما ليست سهلة ولا تلقي تأيدا كبيرا خاصة في مجتمع اليوم ولغة العصر المليئة بالتناقضات والمنافسات، و أي عماء اكثر إخافة من التخلف الذي وصل اليه الناس والفساد الذي اصبح شيئا عاديا في وجدان البشر، فالمحبة التي أوجدت بها عشتار الاشياء لا تنقص اياً منا ولكن لإنجاز هذه القيمة نحتاج لقليل من الوعي

يسرا احمد بن ادريس
ابريل 2016

Advertisements

بنات و سيدات دولة الانقاذ

This slideshow requires JavaScript.

صفحة صور السودان القديمة علي الفيسبوك تحظي بجمهور هائل و حنين عارم للماضي حيث نري صور لأجيال لم تعاني ما نعانيه جميعا اليوم من امراض اجتماعية،  نري الناس تتحسر علي كل شئ، شكل المدينة و نظافتها، لياليها و سهراتها، محالها واحياءها، الحرية التي كان يتمتع بها الناس في المظهر العام المحترم، والمظهر العام للسيدات علي وجه التحديد فحينها لم يعرف المجتمع ما يسمي ببوليس النظام العام و الارهاب الذي مورس علي السيدات في بدايات التسعينات بأختراع ظاهرة جلد السيدات و الفتيات في اقسام البوليس والجريمة ارتداء بنطلون مثلا ، تلك كانت سابقة مشينة لم تحدث من قبل ،

  منذ ان عرف المجتمع السوداني فكرة بوليس النظام العام مطلع التسعينات مع بدايات دولة الانقاذ واصبح مظهر السيدة و الفتاة كئيباً، تحولات كبيرة من اناقة وبهاء لعبايات سوداء، لم يعرف المجتمع تلك العبايات الكريهة المنظر التي اكتسحت الاسواق واصبحت وكأنها ملابس سودانية وهي زي بدوي لا علاقة لنا به الافي هذا العهد البائس الذي انتشرت فيه الملابس الوهابية لتدعيم الفكر الاخواني المعادي للمرأة وللحياة،

 هذا الزي سلب من المرأة السودانية بهاءها وحريتها وغيبت عمداً عن جمال طلتها خارجياً و انطلاق روحها داخليا إذ لم تعرف المرأة في  السودان النقاب ولبس العبايات السوداء سواء كانت من المدن او من الارياف فلكك منطقة في السوان ملابس تعكس طبيعة حياتها و ثقافتها ليس من بينها الثقافة الوهابية علي كل حال، الصور اعلاه توضح الفرق في المظهر العام، الصور لفترة الستينات ولا داعي لوضع صورة للحاضر فالشارع ملئ بالصور الحية التي تعكس الفرق الهائل والمحزن، انها فعلا كأبة المنظر وسؤ المنقلب 

ان ظاهرة فرض مظهر معين علي السيدات ليس امرا بسيطا وليس امرا عابرا ولا مجال فيه لأدعاء المحافظة علي الاخلاق والقيم ، فالجميع   يعلم ان الاخلاق والقيم قبل دولة الانقاذ كانت لا تقارن بما وصل اليه الحال من تردي و انحطاط و ذلك البرقع الحديدي علي الرأس لم يمنع انحطاط  القيم بل وتلاشيها تماما، فكما تعلمون اننا الان و بعد اكتر من 26 عاما نعيش في ازهي عصور الفساد والانحطاط والاحباط الاجتماعي، لأن الاخلاق ليست مظهرا فقط وانما سلوك و روح الحضارة التي لم ولن يفهمها هؤلاء ابدا

انني اريد ان اسأل اسئلة بعينها ..

هل كان المجتمع منحرفا يحتاج لحكومة ان تربيه و تعلمه القيم والاخلاق؟

و هل هذه الدولة تمتلك الاخلاق في ذاتها لتعلمها لغيرها؟

كيف اذن استطاع هذا النظام ان يغير مفاهيم و افكار الناس و بالتالي مظهرهم؟

 كيف استطاعوا تغيير السيدة السودانية من سيدة انيقة و محترمة الي سيدة مبرقعة مهترئة القيم؟

ان المشهد الاكثر إيلاما هو مشهد الصغيرات في مرحلة الثانوي في المدارس الحكومية وهن يرتدين ملابس المدرسة بأقمشة بدلات عسكرية، وكأن الفتيات مجندات تجنيد لا شعوري و تذكير دائم لحالة الحرب النفسية والاهلية، وهذه ليست صدف و ليست قرارات بدافع الجهل والتخلف   انها حالة ممنهجة من تدمير الانسان و تحويله لمسخ

من المشاهد القبيحة الاخري، مشهد حراس الجامعات الحكومية فيما يسمون “بالمرابطين” ومهمتهم الاساسية هي التدقيق علي ملابس الفتيات اذا ما كانت حجاب ام لا، علي حسب رأي المرابط/المرابطة النبيهة اذا رأت انه حجاب متوافق مع رأيها و مستوي عقليتها اذن فستسمح متكرمة للطالبة بالدخول للجامعة و اذا رأت غير ذلك فلها كل الحق والصلاحيات ان تمنعها من الدخول و بوقاحة كبيرة تعرفها كل من تعرضت لهذا الموقف المهين، وكأنها ليست مؤسسة تعليمية وكأنها معتقل سياسي او سجن النسا، و علي ذلك يصبح المرابط او المرابطة متحكمة في اسلوب مظهر الطالبة ومنحها الرضي او السخط، بعض المرابطات بتلذذن بإذلال البنات ويستمتعن بترجي الطالبات للسماح لهن بدخول الجامعة، حينها تشعر المرابطة بنشوة كبيرة كونها استطاعت اذلال البنات بحقدها الكبير ورغبتها في ان يكون لها السمع والطاعة وهي رغبة ومصدر قوة موظفين المؤسسات الحكومية عامة نسبة لقلة الخبرة والجهل الشديد فيتم سد تلك النقائص بالتلذذ باذلال الناس  

إن غسيل المخ لم يشمل المؤسسات الحكومية فقط وانما تخلل بيوت الناس وافكارهم وادارتهم لأسلوب حياتهم، فالأم التي كانت بالامس شابة يافعة و متحضرة في السبعينات وهي تمارس حياتها بكل حرية و اتزان وترتدي احدث الموضات لا تقل عن اي سيدة في العالم تستنكر علي البنت اليوم  التي لا تضع قطعة قماش علي رأسها، احيانا الاسرة كلها تتبني تلك المواقف الدخيلة و تفرضها علي البنت، واحيانا تتم هذا العملية بسهولة و سلاسة من البنت نفسها فهي اصبحت ممارسات اتوماتيكية لا شعورية يتبناها معظم الناس وكأنهم اختاروها وهي فرضت عليهم اساساً، و اذا افترضنا جدلا ان هذا هو اختيار المجتمع و لم يتم فرض اساليب معينة عليه اذن فلماذا كل ذلك العويل علي الماضي وعلي الحياة والذكريات و الحنين لأبسط الاشياء؟ و يقال ببساطة كبيرة “زمان ما زي هسا” ما الذي اختلف الان ؟ هي فقط عقولنا و وعينا الذي اختلف، و هل تقيس قطعة القماش هذه مدي احترام هذه الفتاة لنفسها وعقلها ام لا، هذه الافكار الغير عادلة والتي لم تكن ذات قيمة و وزن قديما و استحدثت علينا لا يجب ان ، نتبناها وكأننا نحمي ثعبانا ساما في بيوتنا و دواخلنا و وجدان مجتمعنا، ولأن اول خطوة في طريق اصلاح ما افسد الدهر هي الاعتراف بوجود خلل، اذن فلنعترف ان قيمة ما سلبت منا

انني لا اقول للفتيات لا تتحجبن، من تريد ان تتحجب فهي حرة تفعل ما يحلو لها و لها ايضا كل الاحترام فحق الاختيار شئ مكفول للجميع و علي قدم المساواة، ولكن المرفوض تماما هو تدخل الدولة والاسرة في فرض مظهر معين علي عموم السيدات والفتيات و اعتبار ان النقيض من ذلك المظهر هو تعريف الانحراف و خراب الاخلاق، هذا مبدأ غير سوي

ان 2016 ليست كالتسعينات ، فانخفضت موضة بوليس النظام العام بشكل كبير ، ولكن اصبح هناك بوليس نظام عام في عقل كل انسان ، ذكر كان ام نثي، وهنا تكمن الخطورة الكبيرة ، انني في هذه الظاهرة اعترف لدولة الانقاذ بالذكاء و النجاح في التسلل لعمق افكار و ميول الناس و توجيههم في غياب تام للوعي و التمييز بين ما كنا عليه وما اصبحنا فيه اليوم

هذا المقال ليس لمهاجمة المجتمع ككل فهنالك من هم يدركون مدي المصيبة، ولكن النقد احيانا لابد ان يكون قاسيا لأن مصير الشعوب لا تقرره لا الشعوب نفسها و حينما تركنا مصيرنا لهذا النظام اصبح الحال لا يسر عدو ولا حبيب ، و كما يقول المثل المصري، يا فرعون مين فرعنك قال مالقتش حد يصدني! فياللبؤس

انني مثلما ادعوا كل سيدة وفتاة للرجوع لأنوثتها و مظهرها الانيق النقيض لأناقة سيدات المؤتمر الوطني المفروضة جبريا علي معظم سيدات السودان فأنني ادعوا ايضا للمحافظة علي العرف المحلي، و انه لشئ جميل ان تعرفن ماهو العرف المحلي و الحفاظ علي لونه وطابعه ، فسيدات السودان لا يرتدين البكيني في الشواطئ كالسيدات المصريات في الاسكندرية والغردقة علي سبيل المثال، ان معرفة واحترام مزاج المكان سيعطيك راحة كبيرة في تحديد مظهرك و الانسجام مع الاسلوب المحافظ للمجتمع، و لابد ان تعلمي ان حريتك الفكرية ينتج عنها كل ش  في حياتك من ضمنها مظهرك 

اخيرا، إن مخطط ارهاب البنات والسيدات بالجلد و التخويف ليس غرضه بث الاخلاق في المجتمع و اي اخلاق التي تنشر بهذه الاساليب! وانما الهدف الاساسي والذي يجب ان ننتبه اليه هو ان هذه الممارسات الظالمة هدفها طمس و انهاء شخصية السيدة السودانية و تحويلها لشخص لا كيان له و ان تغيير المظهر لهو بالتأكيد يستصحبه تغيير الجوهر !

ان عقيدة التمكين عند النظم الاسلامية ليس فقط تمكينا للمؤسسات و قوانين الدولة و انما هو ايضا تمكينا لافكار هذه الدولة او هذا النظام في عقول و وجدان الناس و انه لعمل شاق ان نستطيع الفكاك من هذا التلوث و لكنه ليس بالامر المستحيل فبداية كل شئ تكون بالوعي و التفكير في كيفية التخلص العاقل المتزن الحكيم من هذه الافكار البالية شديدة الخبث والتعمق في خلايا المجتمع وانها لمن أنبل المهمات ان نساهم في انقاذ مجتمعنا و انسانيتنا و حضارتنا و انفسنا ولو بالكلمة 

******

للفنانة فاتن حمامة مقولة جميلة ، لنتذكرها دائما 

حجاب المرأة هو عقلها

وعندما يهترئ ذلك الحجاب يهترأ معه شرفها حتى ولو تبرقعت بالحديد

 

يسرا احمد بن ادريس

ابريل 2016